أحمد مصطفى المراغي
16
تفسير المراغي
خارج عن سنن حكمتنا ، وقوانين نظامنا ، ورفعة قدرنا ، فنحن لا نلهو بالصور الجسمية ، ولا بالنفوس الروحية . وخلاصة هذا - إنا خلقناكم لحكمة ، وصورناكم لغاية ، وجعلنا لكم السمع والأبصار لمنافع قدرناها لكم ، لا للهونا ولعبنا ، ومن ثم لا نترككم سدى ، بل نحاسبكم ونؤاخذكم ، والجدّ مطلبنا ، واللهو واللعب من شأن العبيد المخلوقين ، لا من شأن رب العالمين . ونحو الآية قوله : « لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » . ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) أي إن من شأننا أن رمى الحق الذي من جملته الجدّ ، على الباطل الذي منه اللعب فيكسر دماغه بحيث يشق غشاءه فيؤدى ذلك إلى زهوق روحه فيهلك - وقد شبه الباطل بإنسان كسر دماغه فهلك - . وإذا كان هذا شأننا فكيف نترككم بلا إنذار كأننا خلقناكم لنلهو بكم . ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) أي ولكم العذاب الشديد من وصفكم ربكم بغير صفته ، وقيلكم إنه اتخذ ولدا وزوجة وافترائكم ذلك عليه . ولما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها ، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن إنما هو التمرد والعناد - بين في هذه الآية أنه غنى عن طاعتهم ، لأنه هو المالك لجميع المخلوقات ، والملائكة على جلالة قدرهم مطيعون له خائفون منه ، فأجدر بالبشر على ضعفهم أن يطيعوه ، وما أخلقهم أن يعبدوه ، فقال : ( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي وله تعالى جميع المخلوقات خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة دون أن يكون لأحد في ذلك سلطان لا استقلالا ولا استتباعا .